فصل: مسألة المحافظة على الصلاة في الجماعة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الإقبال على الدعاء:

في الإقبال على الدعاء قال مالك: جاء رجل إلى عامر بن عبد الله بن الزبير وهو يدعو فجلس إليه ومعه دراهم وكتاب فصول عنده، ثم كلمه الرجل فأخذ الدراهم فجعلها تحت رجله ثم أقبل على الدعاء، فلما فرغ كلمه الرجل قال: فما استطعت أن تكلمني ثم تقبل على صلاتك، فقال: هذه أخذة الشيطان، إني قد جربت هذا، يأتي الرجل فأكلمه ثم يأتي آخر حتى يذهب الدعاء. ورأيته يدعو وعليه إزار وقطيفة في الشتاء كلما وقعت جبذها على منكبيه، وكان من دعائه: يا باقي يا دائم يا حي لا يموت لا تبطل دعائي ولا تضيع مسألتي.
قال محمد بن رشد: قد بين عامر بن عبد الله بن الزبير الوجه الذي من أجله لم يترك ما كان فيه من الدعاء، وتكلم الرجل بما لا مزيد عليه مما حذره وخافه. وأما قوله في دعائه يا حي لا يموت فصحيح جيد لا اختلاف فيه، لأن الحي اسم من أسماء الله عز وجل. قال الله عز وجل: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65] وقال: {الم} [آل عمران: 1] {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]. وقال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]. وكذلك قوله: يا باقي، لأن الباقي أيضا اسم من أسماء الله تعالى في سورة البقرة، وفي سورة الرحمن قوله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 27].
وأما قوله يا دائم ففي الدعاء به اختلاف، إذ قد قيل إنه لا يجوز أن يسمى الله عز وجل إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله وأجمعت الأمة على تسميته به. والصحيح جواز الدعاء بيا دائم، لأن الدائم بمعنى الباقي وبمعنى الأخير في قوله عز وجل: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] وبالله التوفيق.

.مسألة الصلاة في البرانس:

في الصلاة في البرانس وسئل مالك عن الصلاة في البرانس هي من لباس المصلين وكانت من لباس الناس وما أرى بها بأسا، فاستحسن لباسها وقال: هي من لباس المسافر للبرد والمطر. قال ولقد سمعت عبد الله بن أبي بكر وكان من عباد الناس وأهل الفضل وهو يقول: ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان برنس يغدو فيه وخميصة يروح فيها، ولقد رأيت ناسا يلبسون البرانس، فقيل له ما كان ألوانها؟ قال: صفر.
قال محمد بن رشد: البرانس ثياب في شكل الغفائر عندنا مفتوحة من أمام تلبس على ثياب في البرد والمطر مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو سراويل، لأن العورة تبدو من أمامه وهو في البرانس العربية، وأما الأعجمية فلا خير في لباسها في الصلاة ولا في غير الصلاة لأنها من زي العجم وشكلهم. وأما الخمائص فهي أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف فيها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب.
فقوله برنس يغدو به يريد يلبسه على ما تحته من الثياب، وخميصة يروح بها يعني يلتحفها على ما عليه من الثياب والله أعلم. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.

.مسألة رفع اليدين في الدعاء:

في رفع اليدين في الدعاء قال مالك: وبلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديه فأنكر عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ فقال رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين.
قال القاضي: إنما كره رفع الصوت بالدعاء لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا». وقد روي أن قول الله عز وجل: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] نزلت في الدعاء. وأما رفع اليدين عند الدعاء فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت لأنه من فعل اليهود، وأما رفعهما إلى الله عز وجل عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب فإنه جائز محمود من فاعله، وقد أجازه مالك في المدونة في مواضع الدعاء وفعله فيها، واستحب في صفته أن يكون ظهورهما إلى الوجه وبطونهما إلى الأرض. وقيل في قول الله عز وجل: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] إن الرغب يكون بطون الأكف إلى السماء والرهب بطونها إلى الأرض. وقد وقع لمالك في رسم المحرم من السماع في كتاب الصلاة أنه لا يعجبه رفع اليدين في الدعاء، ومعنى ذلك الإكثار منه في غير مواضع الدعاء حتى لا يختلف قوله، والله أعلم.

.مسألة السدل في الصلاة:

في السدل في الصلاة وسئل مالك عن السدل في الصلاة قال: لا بأس بذلك. فقيل له هل رأيت أحدا يفعل هذا؟ فقال نعم. فقيل له أعبد الله بن حسن؟ قال نعم وغيره، وقد رأيته يفعله، وقد رأيت عبد الله بن حسن يجعل طنفسة في المسجد يصلي عليها، وقد كان كبر، فكان يقوم عليها ويسجد ويضع يديه على الحصباء.
وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال لا بأس بذلك إذا وضع جبهته ويديه على تراب أو نبات من الأرض، فقيل له مسجد الجماعة؟ فقال نعم قال محمد بن رشد: صفة السدل أن يسدل الرجل طرفي ردائه بين يديه فيكون بطنه وصدره مكشوفا، وقد أجاز ذلك في المدونة وإن لم يكن عليه إلا إزار أو سراويل تستر عورته. وحكى أنه رأى عبد الله بن الحسن وغيره يفعل ذلك. ومعنى ذلك إذا غلبه الحر، إذ ليس من الاختيار أن يصلي الرجل مكشوف الصدر والبطن، وهو ظاهر هذه الرواية. وفي هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة ما ظاهره أن ذلك لا بأس به إذا كان عليه مع الإزار ثوب غيره يستر به سائر جسده.
وقد روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من رواية أبي هريرة وأبي جحيفة «أنه نهى عن السدل في الصلاة» فكره بذلك بعض أهل العلم أن يسدل الرجل في صلاته وإن كان عليه مع الإزار قميص وقال ذلك فعل اليهود، فهي ثلاثة أقوال: الجواز وإن لم يكن عليه إلا إزار، والمنع وإن كان عليه مع الإزار قميص يستر به جميع جسده، والفرق بين أن يكون عليه مع الإزار قميص يستر به سائر جسده وبين ألا يكون عليه مع الإزار قميص يستر به جميع جسده. وأما إن لم يكن عليه قميص ولا إزار فلا يجوز السدل في الصلاة بإجماع، لأن عورته تبدو من أمامه.
وإنما كانت الطنفسة تجعل له في المسجد ليصلي عليها رفقا به لكثرة اتقائه من حر الأرض وبردها، فكان يصلي ويسجد على الحصباء ويضع يده عليها، وذلك جائز، فقد كان يطرح لعقيل بن أبي طالب في زمن عمر بن الخطاب طنفسة إلى جدار المسجد الغربي يجلس عليها ويجتمع الناس إليه، وكان نسابا عالما بأيام العرب. والصلاة على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم جائزة، وإنما يكره السجود عليها، من أجل أن الصلاة شأنها التواضع، فالمستحب فيها أن لا يسجد إلا على الأرض أو ما يشاكل الأرض من الحصر التي تصنع مما تنبته الأرض. ومثل هذا في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق.

.مسألة المحافظة على الصلاة في الجماعة:

في المحافظة على الصلاة في الجماعة وسئل مالك هل بلغك عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا ذكر له الخروج إلى البادية قال: فأين صلاة العشاء؟ قال نعم، قد بلغني أن سعيد بن المسيب كان إذا ذكرت له البادية والخروج إليها قال: فأين صلاة العشاء.
قال محمد بن رشد: إنما كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول ذلك إشفاقا على فوات الصلاة في مسجد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، لما جاء من أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
وخص صلاة العشاء بالذكر لما جاء من الفضل في شهودها. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونها» أو نحو هذا. وقال عثمان بن عفان: من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام نصف ليلة، وذلك لا يكون إلا عن توقيف، إذ لا مدخل في ذلك للقياس ولا يقال مثله بالرأي. ولعله أراد أن أهل البادية كانوا لا يصلون العشاء والصبح في جماعة، أولا يرى لنفسه اختيارا أن يأتم بأئمتهم لجهلهم بالسنة. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة. وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة التروح بالمراوح في المسجد:

في كراهة التروح بالمراوح في المسجد وسئل مالك عن المراوح أتكره أن يروح بها في المسجد قال نعم إني لأكره ذلك.
قال القاضي: هذا كما قال لأن المراوح إنما يتخذها أهل الطول للترفه والتنعم، وليس ذلك من شأن المساجد، والإتيان إليها بالمراوح من المكروه البين. وقد مضى هذا في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الصلاة. وبالله التوفيق.

.مسألة التسع آيات التي أوتيها موسى عليه السلام:

قال مالك: التسع آيات التي آتاهن الله تبارك وتعالى موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، ويده، والبحر، والجبل.
قال محمد بن رشد: قد روي هذا عن ابن عباس من رواية عكرمة عنه، إلا أنه جعل مكان البحر والجبل السنين والنقص من الثمرات، فقال في تفسير التسع الآيات: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، ونقص من الثمرات، فالتسع الآيات التي أعلم الله عز وجل في كتابه أنه آتاها موسى بقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101]، هي معجزات، وتخويفات وإنذارات. قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] فقالوا: هذه مما سحرنا به هذا الرجل فقالوا يا موسى: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 132] أي بمصدقين، فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقفل والضفادع والدم آيات مفصلات، يعني بائنات بعضها من بعض بين كل عذابين شهر، قاله بعض أهل التفسير.
أما الطوفان فمطروا الليل والنهار ثمانية أيام ولياليهن لا يرون فيها شمسا ولا قمرا، فصرخ الناس إلى فرعون وخافوا الغرق، فأرسل فرعون إلى موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ فأتاه، فقال: يا موسى اكشف عنا هذا فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فأقلعت السماء ونشفت الأرض ماءها وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله في مصر قط، فقالوا: لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل، ولقد فزعنا من أمر كان خيرا لنا، فنكثوا وعصوا. فأرسل الله عز وجل عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض، وبقي الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليهن لا يرون الأرض، وركب الجراد بعضه بعضا ذراعا. وفي تفسير مجاهد أن الجراد أكل مسامير أبوابهم وثيابهم، فصرخ أهل مصر إلى فرعون، فأرسل إلى موسى فقال: أيها الساحر {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 134]، فدعا موسى ربه جل وتعالى، فأرسل الله عز وجل ريحا شديدا فاحتملت الجراد فألقته في البحر فلم يبق في الأرض منها جرادة. فنظر أهل مصر فإذا هم قد بقي لهم بقية من زرعهم وكلئهم ما يكفيهم عامهم ذلك، فقالوا: إنه قد بقي لنا ما يكفينا هذه السنة، فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عز وجل عليهم القمل.
قال مجاهد: هو الدبا فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته. فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: يا موسى اكشف عنا هذا الدبا فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأمات الدبا فلم يبق منه واحدة. فلما نظر القوم أنه لم يبق لهم شيء يعيشون به قالوا: يا موسى هل يستطيع ربك أن يفعل بنا شرا مما فعل، فوالله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عليهم الضفادع فدبت في أرضهم وبيوتهم ومخادعهم وظهور بيوتهم حتى جعل الرجل يستيقظ وعليه منهن ما لا يحصى، فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: ادع لنا ربك فليهلك هذه الضفادع من أرضنا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فأذهب الضفادع من أرضهم فأماتها، ثم أرسل مطرا فاحتملها فألقاها في البحر. فقالوا: لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. فأرسل الله عز وجل عليهم الدم فجرت أنهارهم دما وركاياهم فلم يكونوا يقدرون على الماء وأنهار بني إسرائيل تجري ماء عذبا طيبا، فإذا دخل الرجل من آل فرعون في أنهار بني إسرائيل صار ما دخل فيه دما والماء من بين يديه ومن خلفه صاف عذب لا يقدر منه على شيء. فمكثوا ثمانية أيام ولياليهن لا يذوقون الماء حتى بلغهم الجهد. فصرخ أهل مصر إلى فرعون إنا قد هلكنا وهلكت دوابنا وماشيتنا من الظمأ. فأرسل فرعون إلى موسى فدعاه فقال يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الرجز ونعطيك ميثاقا {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 134]. فدعا موسى ربه فكشف عنهم فشربوا الماء، ثم عادوا إلى كفرهم فقالوا: والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل. قال الله عز وجل: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: 135] {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136].
وقال عز وجل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137]، يعني أرض الأردن وفلسطين، وقيل أرض الشام. وقال عز وجل: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} [الأعراف: 137] قيل معناه ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم فيها، وقيل وعد الله لهم بالجنة لما صبروا على دين الله.
وقد جاء في التسع الآيات التي ذكر الله عز وجل أنه آتاها موسى- عليه السلام- إنما عنى بها عبادات تعبده بها لا ما آتاه من المعجزات والإنذارات. روي «عن صفوان بن عسال المرادي أنه قال: قال رجل من اليهود لآخر اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل هذا النبي فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين. فانطلقا إليه وسألاه عن تسع آيات بينات، فقال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تفروا من الزحف، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان، وعليكم يهود أن لا تعدوا في السبت؛ فقالوا: نشهد إنك رسول الله.» وفي بعض الآثار: «فقبلوا يديه ورجليه وقالوا نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا: إن داوود عَلَيْهِ السَّلَامُ دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود.» قال الطحاوي: وهذا أولى مما رواه عكرمة عن ابن عباس في أن الآيات التسع إنذارات وعدات، إذ لا حجة لأحد مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبالله التوفيق.

.مسألة الأقبية للجواري وخروجهن بالأزر في الأسواق:

في الأقبية للجواري وخروجهن بالأزر في الأسواق وسئل مالك عن الوصائف يلبسن الأقبية، قال ما يعجبني ذلك، فإذا شدته عليها كان أخرج لعجزتها، ولقد نهيت عنه محمد ابن إبراهيم، ورأيت عنده وصائف قد ألبسهن ذلك. وسئل عن خروج الجواري في الأسواق بالأزر، فقال ما يعجبني ذلك وأرى ذلك من الباطل.
قال محمد بن رشد: المعنى في كراهة لبس الوصائف القباطي بين على ما ذكره للعلة التي وصفها. وأما خروجهن إلى الأسواق بالأزر فمعناه أن يلتحفن فيها كالتحاف الحرائر، فكره ذلك من أجل تشبههن بالحرائر اللواتي أمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وقد رأى عمر بن الخطاب أمة لابنه عبيد الله قد تهيأت بهيئة الحرائر، فدخل على حفصة ابنته فقال لها: ألم أر لأخيك جارية تجوس بين الناس وقد تهيأت بهيئة الحرائر وأنكر ذلك.
قال عبد الملك في الواضحة: وما رأيت أمة بالمدينة تخرج وان كانت رائعة إلا وهي مكشوفة الرأس في ضفائرها أو في شعر مجسم لا تلقي على رأسها جلبابا لتعرف الأمة من الحرة، إلا أن ذلك لا ينبغي اليوم لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت اليوم جارية رائعة مكشوفة الرأس في الأزقة والأسواق لوجب على الإمام أن يمنع من ذلك، وتلزم الإماء من الهيئة في لباسهن ما يعرفن به من الحرائر، وتضرب إن خرجت مجردة. قاله مالك في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب النكاح، يريد بمجردة مكشوفة الظهر والبطن. وأما خروجها مكشوفة الرأس فهو سنتها على ما تقدم، وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة شرب الماء الذي يسقاه الناس في المساجد والأسواق:

في شرب الماء الذي يسقاه الناس في المساجد والأسواق وسئل مالك عن الماء الذي يسقي الناس في المساجد والأسواق أترى للأغنياء أن يجتنبوا شربه؟ قال: لا، ولكن يشربون أحب إلي، إنما جعل للعطشان. ولقد كان سعيد بن عبادة اتخذ سقاية يسقي فيها الناس، فقيل له: أفي المسجد؟ فقال: لا ولكن في منزله.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين، لأن قصد ساقيه به معلوم، لأنه يوجد في الغني كما يوجد في الفقير لاستوائهما في الحاجة إلى شربه، وقد يعدمه الغني في وقت الحاجة إلى شربه ولا يجد من يشتريه منه، أولا يكون بيده حاضرا ما يشتريه به كما يعدمه الفقير سواء، وبالله التوفيق.

.مسألة في زهد عيسى ابن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

قال مالك: إن مما تحدث به الناس أن عيسى ابن مريم كان يقول: ما للذهب عندي فضل على الحجارة.
قال محمد بن رشد: إنما لم يكن للذهب فضل عنده على الحجارة وإن كان الذهب من شهوات الدنيا التي قد زين حبها للناس فقال عز وجل: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14] الآية لأنه اختار عليها ما أنبأ الله عز وجل عباده أنه خير منها بقوله عز وجل: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15].

.مسألة تفسير المزجاة:

في تفسير المزجاة قال مالك في تفسير: {بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} [يوسف: 88] قال: إني أقول فيها الجائزة تجوز بكل مكان فهي المزجاة.
قال محمد بن رشد: أكثر أهل التفسير على خلاف هذا التفسير في مزجاة. منهم من قال يسيرة، ومنهم من قال مقاربة ردية، وكانوا لا يأخذون في الطعام إلا الجياد. وقيل ببضاعة مزجاة أي خبيثة رديئة لا تجوز إلا بوضيعة. وقيل كان معهم متاع الأعراب من سمن وصوف وما أشبهه. وأصله من التزجية، وهي الدفع والسوق. يقال: فلان يزجي العيش أي يدافع بالقليل ويكتفي به. فالمعنى إنا جئنا ببضاعة إنما ندافع بها ونتقوت ليست يتسع بها. وقيل في قولهم وتصدق علينا معناه بما بين الكيلين، وقيل معناه تصدق علينا بأخينا. وبالله التوفيق.

.مسألة ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكة:

فيما قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند دخوله مكة قال مالك: «لما دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة عام الفتح وسارت الجنود بين يديه، أكب على واسطة الرحل ثم قال: الملك لله الواحد القهار. فقال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ابن أخيك ملكا عظيما، فقال له العباس: إنه ليس بالملك ولكنها النبوءة».
قال محمد بن رشد: إنما أكب النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ على واسطة الرحل تواضعا لله، وقال ما قال تعظيما لله. والمعنى في ذلك بين، وبالله التوفيق.

.مسألة قول أسيد بن الحضير لو كنت في دهري:

في قول أسيد بن الحضير قال: وسمعت مالكا يذكر أن أسيد بن الحضير قال: لو كنت في دهري كما أنا في ثلاثة مواضع: إذا قرأت سورة البقرة من جوف الليل، وإذا كنت عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمعته يحدث، وإذا كنت في جنازة، فإني إذا شهدت جنازة لم أحدث نفسي إلا بما يقول الميت وما يقال له.
قال محمد بن رشد: هذا مما كان عليه السلف الصالح من تعظيم الموت بالسكينة والكآبة عند حضور الجنازة حتى لقد كان الرجل يلقى الخاص من إخوته في الجنازة له عنده عهد فما يزيده على التسليم ثم يعرض عنه كأن له عليه موجدة اشتغالا بما هو فيه من شأن الميت، فإذا خرج من الجنازة ساءله عن حاله ولاطفه وكان منه أحسن ما كان لعهده. فيكره الضحك في الجنازة والاشتغال فيها بالحديث والخوض في شيء من أمور الدنيا. وقد مضى هذا في كتاب سماع أشهب من كتاب الجنائز، وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة كراهة الحلف بغير الله عز وجل:

في كراهة الحلف بغير الله عز وجل وسئل عن الذي يحلف بحياتي، فكره ذلك وقال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». وإنما هذا من حلف النساء والضعفاء من الرجال أن يقول بحياتي وما أشبه ذلك فكرهه.
قال محمد بن رشد: يكره الحلف بغير الله عز وجل من جهة النهي الوارد في ذلك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، ومن جهة المعنى أيضا. وذلك أن الحلف بالشيء تعظيم للمحلوف به، ولا ينبغي أن يعظم شيء سوى الله عز وجل وبه التوفيق.

.مسألة السجود على الثوب من الحر:

في السجود على الثوب من الحر قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب سجد على ثوبه من شدة الحر، وبلغني أن ابن عمر كان يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: الاختيار أن يسجد الرجل على الأرض أو على ما شاكل الأرض من الحصر التي تعمل مما تنبته الأرض بطبعها، لأن الصلاة شأنها التواضع لله عز وجل. فإن سجد الرجل على ثوبه من حر أو برد أجزاه ولم يكن عليه شيء، ولا اختلاف في هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة جود أبي الدرداء:

في جود أبي الدرداء وسمعت مالكا يذكر أن أبا الدرداء قال: إني لبخيل إن كان لي ثلاثة أثواب ألا أقرض الله عز وجل أحدها. وسمعت مالكا يذكر أن قوما أضافهم أبو الدرداء فلما أصبحوا قالوا لو ذهبنا إلى أبي الدرداء نثني عليه ونذكره بما أولانا، فجاؤوه فذكروا له وقالوا له لم تلحفنا لحفا فوجدنا البرد، فقال: ليس علينا إلا لحاف واحد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين. قال الله عز وجل: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} [التغابن: 17] وقال: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة عمر رضي الله عنه البنيان:

في كراهة عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ البنيان قال وسمعته يذكر أن أبا الدرداء بنى منزلا له بحمص، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: أما كان في بناء الروم وفارس ما يكفيك؟ فأخرجه عمر من حمص إلى دمشق.
قال محمد بن رشد: التطاول في البنيان مذموم، وقد جاء أنه من أشراط الساعة، فعاتب عمر أبا الدرداء على ما بناه، إذ خفي عليه ما جاء في ذلك مع مكانه من العلم، فإنه كان فقيها عالما حكيما. روي عن مسروق أنه قال: شافهت أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوجدت علمهم إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وكان قاضيا لمعاوية في خلافة عثمان. وقد روي أن عمر أمر أبا الدرداء على القضاء، وكان القاضي يكون خليفة الأمير إذا غاب. فيحتمل أن يكون أخرجه من حمص إلى دمشق واليا إلى القضاء بها، فكان أميرها إذا غاب وأراد بذلك تأديبه على ما بيناه من قول مالك في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه. وقد مضى في رسم أخذ يشرب خمرا القول في البنيان وما يجوز منه وما لا يجوز، وبالله التوفيق.

.مسألة إهلال عيسى ابن مريم عليه السلام بالحج:

في إهلال عيسى ابن مريم عَلَيْهِ السَّلَامُ بالحج وقال مالك في تفسير قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في عيسى ابن مريم حاجا أو معتمرا أو ليتنهما قال يقرنهما أو عمرة بعد حجه مرة.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا الحديث في رسم مرض فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم الشعر والشعراء:

في الشعر والشعراء وسئل مالك عن إنشاد الشعر، قال: يخفف ولا يكثر، ومن عيبه أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]. قال مالك: وقد بلغني أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اجمع الشعراء واسألهم عن الشعر، وهل بقي معهم معرفته، وأحضر لبيدا لذلك. قال فجمعهم فسألهم فقالوا: إنا لنعرفه ونقوله، وسأل لبيدا عنه فقال: ما قلت بيت شعر منذ سمعت الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: {الم} [البقرة: 1] {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
قال محمد بن رشد: الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، والإكثار منه والاشتغال به مذموم. وكفى من ذمه قول الله عز وجل: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] أي الشياطين الذين يغوونهم ويزينون لهم المكروه من القول، {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225] أي من القول يهيمون، {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 226] يمدحون ويذمون ويصفون ما تميل إليه أهواؤهم فيغلون. وقد «قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الثرثارين إنهم أبغض الخلق إلى الله» لما في البلاغة والتفيهق من تصوير الباطل في صورة الحق. ولهذا المعنى «قال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ إذ مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر ثم ذمه في مجلس واحد بكلام بليغ استمال به النفوس وقال: أرضاني فقلت: أحسن ما علمت، وأسخطني فقلت: أسوأ ما علمت، ولقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية: إن من البيان لسحرا» أي إن من بعض البيان لسحرا، فالحظ لمن كان من أهل الشعر وسهل عليه القول أن يتركه ويشتغل بما سواه من ذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن وما يعنيه من أمر دينه ودنياه. فقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وهذا الذي أراده عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من الشعر، ولذلك كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يجمعهم ويسألهم عن الشعر ويحضر لبيدا لذلك ليسمعوا قوله له توبيخا لهم. وكان لبيد بن ربيعة العامري الشاعر من فحول الشعراء شريفا في الجاهلية والإسلام، ممن سلم فحسن إسلامه. وقيل إنه لم يقل منذ أسلم شعرا إلا قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ** حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

وقد قيل إن هذا البيت لغيره، وإن الذي قاله هو في الإسلام هو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ** والمرء يصلحه القرين الصالح

وقد قال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل»

وهو شعر حسن فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، والله عز وجل أعلم، وذلك قوله:
وكل امرئ يوما سيعلم سعيه ** إذا كشفت عند الإله المجاهل

وكان لبيد هذا من المعمرين، مات وهو ابن مائة وأربعين سنة، وقيل ابن مائة وسبع وخمسين سنة في أول خلافه معاوية، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.